الكشف عن ملامح الجانب الأمريكي السعودي من شبكة الإلتفاف على الثورة!
بقلم خالد زروان
"هذا سوف يدشن أعظم ثورة منذ نزول القرآن منذ ألفية ونصف تقريباً. وهذا بدوره سوف يساعد الأمريكيين على إطلاق ما أسماه الرئيس رونالد ريغان "الثورة الأمريكية الثانية" من أجل إكمال الثورة الأولى." (1) روبارت كرين (2) - جوان 2005 مصمم الثورة الأمريكية المضادة التي تحصل في تونس اليوم وفي البلاد العربية!
1- المقدمة
لقد كان إنحسار المشروع العلماني على النمط الفرنسي في تونس محسوساً ظاهراً للعيان منذ هروب بن علي وتعبير الناس بدون رقابة عن آرائهم. وأصبح اليوم لفرنسا أيتام لا عزاء لهم أمام ميل الناس المحسوس الظاهر للإسلام ونظامه. وفي نفس الوقت فإن النظام اللاشرعي والهيئات اللاشرعية، ومن ورائهم الغرب بطم طميمه وأنظمة المنطقة التي ترتعد فرائصها من إمكانية صعود الإسلام للحكم، قد دفعوا الناس من خلال مسار إنتخابي إلتفافي على إرادتهم -قانون الإنتخابات مع التدليس الإعلامي- إلى التصويت على خيارات علمانية! وأدلى 46% فقط من الناس بأصواتهم -عكس تطبيل الإعلام- وأعطى معظمهم اصواتهم لمن ظنوا أنه قد يكون أقل بعداً عن الإسلام. وقد ظهرت الكثير من الدلائل والوثائق التي تشير إلى إتصالات حركة النهضة منذ مطلع العشرية الفائتة مع الإدارة الأمريكية خصوصاً. الشيء الذي ألقى لأنظمة المنطقة ولإعلامها بحبل إلتقفته من أجل التشكيك، ليس في المسار الإلتفافي على الثورة والقائمين عليه والمشاركين فيه من مثل حركة النهضة وحسب، وإنما مصلحة الأنظمة اقتضت التشكيك في ثورة شعبية عفوية برمتها، أملاً في إتقاء ثورة الشعب الذي يرزح تحت نيرها أو أملاً في إخماد ثورة هي أصلاً مشتعلة. فمن الذي يقف وراء حركة النهضة؟ وما هو مشروعهم؟ وماهو امتداده؟
وقبل أن ندخل في صلب الموضوع، نريد أن نشير بصفة لا تدعو مجالاً للشك إلى أن المشروع الأمريكي الذي بدأ العمل فيه منذ بداية التسعينات والمجهودات التي تبعته من أجل دعم الديمقراطية في "الشرق الأوسط" أي بلادنا الإسلامية، كانت قد وصلت إلى طريق مسدود عندما أشعل محمد البوعزيزي النار في جسده وإنطلقت شرارة الثورة في تونس. فمسار الحروب الأمريكية والصدام العسكري من أجل فرض الديمقراطية قد فشل فشلاً ذريعا وزاد من بغض المسلمين للولايات المتحدة. كذلك فإن الجمعيات المفرخة من المشروع الأمريكي والتي تأخذ تمويلات من الإدارة الأمريكية -DRL- ومن صندوق دعم الديمقراطية -NED- لم يكن لها وجود ولا أثر يذكر في الإحتجاجات قبل وحتى بعد هروب بن علي لبعض من الوقت. والشعارات المرفوعة إبتداءً في تونس كانت كلها من أجل عيش كريم وكرامة ولم يكن هناك شعار واحد يدعو إلى ديمقراطية ولا إلى حريات ولا إلى نظام رأسمالي وسوق حرة، التي كانت كلها من أسباب إنفجار بركان غضب الشعب على النظام والمنظومة والقائمين عليها! وإنما كان هذا المشروع الأمريكي كعجلة إحتياط وكان أقرب ما تحت يد الإدارة الأمريكية من أجل التحكم في ديناميكية الثورة والحد من نوعيتها وتوجيهها إلى تحقيق أهداف الإدارة الأمريكية بدل تحقيق ذاتها ومباديء الشعب الذي قام بها. ونظراً للمجهودات السابقة للإدارة الأمريكية في المنطقة عموماً، فإنها لم تفعل غير تحريك شبكاتها التي لم يكن لها وجود ولا أثر في الثورة نظراً لانبتات طبائع أعمالهم وأفكارهم عن عمق هوية الشعب ومبدئه .
فحتى نكون واضحين: هناك ثورة شعب يريد تحقيق عيش كريم وعزة وكرامة وذلك بفرض ارادته النابعة من أعماقه ومن هويته الإسلامية. وهناك ثورة مضادة تعمل على: 1/ افشال تطلعات الشعب في العيش الكريم والعزة والكرامة وتريد اعادته إلى بيت الطاعة الأجنبية وتعمل على أن لا يحصل تغيير جذري يهدد أنظمة المنطقة والمنظومة الرأسمالية برمتها 2/ جعل سقف لإرادة الشعب وخطوط حمراء لها لا يجوز له أن يتجاوزها.
وفي أطار الثورة المضادة يندرج المشروع الغربي عموماً في تونس والمنطقة، متحالفين في ذلك مع حركات وأحزاب وشخصيات ومع أنظمة المنطقة.
ولا يفوتنا هنا كذلك قبل أن ندخل في صلب الموضوع أن نذكر بكتيبين صغيرين حجماً ولكنهما قيمين من حيث المضمون ونقاء ووضوح الرؤية السياسية، صدرا أواسط التسعينات من القرن الماضي: كتيب (3) "الحملة الأمريكية للقضاء على الإسلام" الذي أصدره ووزعه حزب التحرير سنة 1996 وكتيب (4) "مفاهيم خطرة لضرب الإسلام وتركيز الحضارة الغربية" الذي أصدره ووزعه حزب التحرير سنة 1998 وسوف تفهمون بعد إكمال قراءة هذا المقال أن حزب التحرير كان بالمرصاد لما تخطط له الادارة الأمريكة منذ بدأ التفكير فيه وفضحه للأمة من أجل أن تتقيه. وهذا لعمري إنه لمن الإبداع في التفكير والعمل السياسيين وقمة في الصدق وفي وضوح الأفكار والرؤية السياسية.وبرهان على ريادة هذا الحزب والرائد لا يخذل أهله.
2- لماذا هذا المقال؟
يوم 5 نوفمبر 2011 ، صرح ويليام تايلور منسق الولايات المتحدة للتحولات في الشرق الأوسط، لوكالة الصحافة الفرنسية أن الولايات المتحدة ستكون "مرتاحة/ راضية" لفوز حركة الإخوان المسلمين بالإنتخابات المصرية. وأكد ان الولايات المتحدة سوف تحكم على الأحزاب المنتخبة في الشرق الأوسط استنادا "على أفعالهم ، وليس على اسمائهم"! واضاف انه لم يجتمع مع مسؤولي جماعة الاخوان المسلمين في زيارته الأخيرة إلى القاهرة ولكنه مستعد لذلك متى اتيحت الفرصة. وقال أن ما يسمى ثورات الربيع العربي ورغبة إجراء انتخابات ديمقراطية يخلق بيئة تكون فيها جماعات مثل جماعة الإخوان المسلمين قادرة على إستئصال الجماعات الارهابية ! (5)
في مقال بداية سنة 2010 تحت عنوان "الخيبة والخسران لمن وثق فحص الإسلام من خلال منظار الأمريكان"(6) بقلم خالد زروان، كانت لنا مقدمة جاء فيها:
"تشتد الحرب الثقافية تعقيداً خصوصاً مع تجنيد الأعداء لكثير من أبناء الأمة المستغفلين أو المضبوعين في مجهوداته الحربية.
فأمريكا تحارب الإسلام، بأبناء الإسلام، وبأموال المسلمين، ولقد صدق الله وعده رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندما سأله فأجابه: "يَا مُحَمَّدُ اِنِّي اِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَاِنَّهُ لاَ يُرَدُّ وَاِنِّي اَعْطَيْتُكَ لاُمَّتِكَ اَنْ لاَ اُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَاَنْ لاَ اُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى اَنْفُسِهِمْيَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِاَقْطَارِهَا - اَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ اَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا " صحيح مسلم - كتاب الفتن وأشراط الساعة" انتهى.
اليوم وبعد إنطلاق ثورة عفوية لشعب مظلوم نهاية 2010، وتكالب محاولات الغرب وأنظمة المنطقة وأحزابها المرتبطة بالأجنبي للإلتفاف عليها منذ هروب بن علي، نجد أنفسنا مجبرين على العودة إلى نفس الموضوع. موضوع محاربة عودة الإسلام إلى الحكم والدولة. حرب على الإسلام بأبناء الإسلام، وبأموال المسلمين. هذه المرة ليس فقط لكشف مؤسسات فكرية ثقافية مرتبطة بالجهد الفكري الثقافي في الحرب الناعمة على الإسلام، ولكن، وبعد أن قفز مشروع الأمريكان المعروف تحت عنوان "الإسلام المعتدل" فجأة، كجواب للإدارة الأمريكية على إنطلاق شرارة الثورة المفاجئة في تونس من مرحلة الإنسداد والعجز الفكري قبل إنطلاق الثورة إلى مرحلة تنفيذ سياسي مرتجل -نظراً لفجاءة الثورة- في إطار مشروع سياسي متكامل بدأت ملامحه الفكرية تبرز منذ سنة 1993, فإن هذا المقال نحاول أن نكشف فيه بجلاء، ملامح المشروع الأمريكي، حقيقته، من يقوم عليه وامتداده. كشف موثق لدقائق شبكة تمر إلى التجسيم السياسي لأهدافها وهي تعود في أصلها إلى إلتقاء شيوخ معممين وبعض من النخبة ذوو التوجه القومي الإسلامي من الذين قد يثق فيهم كثير من الناس، مع مستشارين للإدارة الأمريكية أواسط التسعينات، على مشروع مشترك بينهم. ونود الإشارة إلى أننا نقوم بهذا العمل تبرئة للذمة أمام الحسيب الرقيب ثم أمام امتنا وشعبنا حتى يعوا على حقيقة ما يحاك بثورتهم وما يراد بهم، عسى أن تجتمع القلوب على الوعي على هذه الثورة المضادة ولفظها لفظ النواة وتعتصم بحبل الله المتين وتمكن لدينه في الأرض بإقامة شرعه ونظامه في دولة الإسلام دولة الخلافة.
3- مركز الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي المسيحي - جامعة جورج تاون بواشنطن
تأسس مركز التفاهم الإسلامي المسيحي (CMCU) سنة 1993 في جامعة جورج تاون الأمريكية. وفي سنة 2005 تلقى المركز معونة قدرها 20 مليون دولار من الوليد بن طلال -من عائلة آل سعود متملكة جزيرة العرب- الذي سبق أن قدم شيكاً ب10 ملايين دولار لعمدة مدينة نيويورك اثر هجمات 11 سبتمبر 2001 ولكنه لم يقبل منه! وأصبح المركز يحمل إسم مركز الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي المسيحي وأضافوا حرف (A) رمزاً لأسم الوليد لمختصر إسمه فأصبح ACMCU.(7)). ويقوم على هذا المجلس أساساً منذ تأسيسه الدكتور جون اسبوزيتو باحث في الإسلام في جامعة جورج تاون ومستشار الإدارة الأمريكية وكما سيتضح لاحقاً عضو مؤسس ل"حلقة الأصالة والتقدم" وسط 1997 ومؤسس مركز دراسة الإسلام والديمقراطية نهاية سنة 1997 الذين سنعرف بهما تالياً.
4- الشبكة الرئيسية "حلقة الأصالة والتقدم": مشروع إنقاذ حضارة غربية محتضرة وتمييع حضارة إسلامية عائدة.
أواسط سنة 1997 إلتقت مجموعة من كبار المستشارين والمفكرين الأمريكيين مع بعض رموز التيار الإسلامي في البلاد العربية وأعلنوا اثرها عن تأسيس "حلقة الأصالة والتقدم" "Circle oF Tradition and Progress" "COTP" (8). والمجموعة المؤسسة هي:
الدكتور كمال أبو المجد (مصر)- الدكتور طه جابر العلواني (فرجينيا)- الدكتور محمد عمارة (مصر)- الدكتور طارق البشري (مصر)- الدكتور دافيد ب. بوريلي (انديانا)- الدكرور شارل بوتروورث (واشنطن)- الدكتور لويس كنتوري (ماريلاند)- الدكتور جون لويس ايسبوزيتو (واشنطن) - الشيخ راشد الغنوشي (تونس) - عادل حسين (مصر)- فهمي الهويدي (مصر)- الدكتور ليونارد ب. لدجيو (واشنطن)- الدكتور عبد الوهاب المسيري (مصر)- الدكتور بشير نافع (المملكة المتحدة)- الشيخ يوسف القرضاوي (قطر)- منير شفيق (الأردن)- الدكتور أنتوني سيوليفان (ميتشيغان)- الدكتور جون فول (واشنطن)
قائمة الأسماء باللاتينية:
Dr. Kamal Abu al Majd (Egypt)- Dr. Taha Jabir Alwani (Virginia) - Dr. Mohammad Amara (Egypt)- Tariq al Bishri (Egypt)- Dr.- David B. Burrelli (Indiana)- Dr. Charles Butterworth (Washington DC)- Dr. Louis Cantori (Maryland)- Dr. John L. Esposito (Washington DC)- Sheikh Rashid al Ghannoushi (Tunisia)- Adel Hussein (Egypt)- Fahmi Huweidi (Egypt)- Dr. Leonard P.- Liggio Washington DC)- Dr. Abdelwahab al Massiri (Egypt)- Dr. Basher Nafi (United Kingdom)- Sheikh Yousuf al Qaradawi (Qatar- Munir Shafiq (Jordon)- Dr. Antony Sullivan (Michigan)- Dr. John Voll (Washington DC)
المشروع الملتقى عليه هو مشروع شمولي الهدف منه إصلاح النظام الرأسمالي والحضارة الغربية بصفة عامة وإدماج الحضارة الإسلامية فيها. وهذا ما جاء في إعلان نوايا الحلقة:
"يحق للمشروع الحداثي النابع أساساً من عصر التنوير الأوروبي، أن يزعم تحقيق انجازات كبيرة في الميادين التقنية والسياسية الإجتماعية. ولكن الكثيرين في شتى أنحاء العالم قد لمسوا النتائج الهدامة التي احدثتها الحداثة: طغيان المادية، إنحطاط الأخلاق، إختلال شامل لميزان التنمية، تدمير العائلة والمجتمع وتراجع المعتقدات الدينية.
ه